قالها.. ثم مضى! بقلم الكاتب مصطفى زلوم

0 66

بقلم : مصطفى زلوم

 
كانت بداية اندلاع فتنة خلق القرآن التي ابتكرها صُنَّاع علم الكلام أو.. (المعتزلة) عام 218هـ – 833م. واستمرت قرابة الخمسة عشر عاما. ابتدعها منظِِرُهُم الكبير “الجهم بن صفوان”، وسرعان ما اقتنع بها الخليفة العباسي المأمون بن هارون، والفكرة إذا لاكتها ألسنة الحُكام صارت دستوراً. وقد لاك لسان الخليفة مستثيغا هذا الهراء، فطار في الهواء، لدرجة الفرض! حتى وصل الأمر لامتحان العلماء وكأنهم طلاب صغار. فمن أجاب بما يوافق الهوى. استوى! ومن أجاب بغير ذلكه هوى.
 
وتصل النوَّة نخيل بغداد، ويطلب إليها علماء العراق، ويتم الامتحان مع الهوان! فيستوي القليل، ويهوي الكثير! لكنهم قد هووا مخالفين قوانين الفيزياء.. من الأرض إلى السماء. يجيب ابن حنبل بأنه أي القرآن الكريم “كلام الله القديم”! لكن هذا يزعج السلطان. فكيف لا يذعن هؤلاء الضعفاء لأحلام الأقوياء الأغبياء. أولئك الذين يحلمون بدخول أعلى أبواب التاريخ كأول من أخترع الفهم الصحيح لقواعد الفقه وعلم التوحيد الجديد! آتون من الأفكار المغلوطة، والمعاد تدويرها بنكهة بهار جديد على الآذان. دولاب مستدير ووضعت فيه رأس ابن حنبل عله يثمل. والرجل واقف -ليس على قدميه- بل على رأسه التي ظنوها تترنح! وهنا فاض الكيل!
 
أمر الخليفة بارسال أولئك المُرَّقِ إلى “طرسوس” محل إقامته! وقبل تحرك الموكب البئيس بدأ بعض العلماء يترخصون بقول الله تعالى: “مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ…”. فنطوقها على مضدٍ وولوا. وبقي الشيخان. أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح. وقد أوثقا قلبيهما بوثاقٍ أشد نحساً من ذلك الذي يرن بالأيد والأقدام. وسار الموكبُ بالرجال من بلد إلى بلد، مُصفَّدين بالأغلال. وفي كل بلد كان للجند دارٌ للراحة وإراحة الركبِ. وأيضا إراحة المذنبين المترجلين! وكان بكل دارٍ “سجنٌ” يُودع فيه المشتبه بهم عصيان السجان! حتى جاء!! جاء من كانت الأمة كلها في انتظاره!
 
في صبيحة أحد الأيام لعب الخوف برأس ابن حنبل، فهامس زميله ابن نوح قائلا: ولماذا لم نتمثل قول الله تعالى؟ لماذا نسير إلى التهلكة هكذا! فلان ابن نوح جانبا للحديث، وتحسس الرجلان أعناقهما بأيدهما دون رنين سلاسل. وجاء الحرسُ وأعادوا الوثاق، وأخذوهم بالأيد والأعناق، ولما هموا خارجين خارج “المغفر” إن شئت قل.. إذ القوم يجدون رجلاً متوسط العمر، رث الثياب، أشعس أغبر قد يكون من أهل القرية التي حلوا بها. جاء الرجل من خلف الجميع وهو يصيح بالرجلين.. موجها كلامه للإمام أحمد بن حنبل قائلا: يا أحمد، يا أحمد.. إن متَّ مُتَّ شهيداً، وإن عشتَ عشت حميداً، وما عليك إلا أن تُقتل ها هنا.. فتدخل الجنة!
 
قال ابن حنبل: والجنود يمنعونه بالقوة، وهو يعتلي أكتافهم مخافة أن أكون لا أسمعه، فينهره الجنود، فيروح ويعود.. “يا أحمد لا تقُلها حتى لو لم يبقَ غيرُك! وأبعد الرجل وصوته يتلاشى. لكن نقر دفه لم يفارق أذن الإمام حتى وصل الركبُ جناب السلطان!
 
وعند المأمون خليفة بني العباس ذاق الإمامان الأهوال، فبعدما أناخ الخليفة جناحه لهما هيبة ووقارا، وبعد المعاملة الحسنة التي لم تدُم دقائق، غاط الحاضرون المقربون المنظرون في أذن الحاكم فاستدار مائة وثمانين درجة، وأغلظ للرجال إن هم لم يستفيقا. وبدأت المناظرة بين ابن حنبل وجماعة من علماء السلطان وخدم الصولجان دامت خمسة وعشرين يوما. في كل يوم من بزوغ مشرقه حتى المساء، لا يقطعها سوى الطعام والصلاة. والإمام أحمد ورفيق محنته محمد بن نوح لم ينثنيا قيد أنملة. يتحدث أحمد وصوت الرجل المجهول في أذنه. وصياحه سياطٌ تجلد ظهره على لينه غفلة من ساعة! يتحدث أحمد وكأنما وجه الرجل أمام عينيه يضغط بأسنانه على سبابته، وعيناه جاحظتان صوبه!
 
ويُسجنُ الرجلان مجددا، ويجلدان ويقيدان طوال الوقت. ويجلد ظهر ابن حنبل، وكأنه قد أخذ مناعةً بعدما جلده صوت الحقِ فقوى أوصاله من قبل، صبيحة ذلك اليوم. ويصل فيما بعد الخليفة المتوكل، والعالمان الجليلان مسجونان منذ ثمانية وعشرين شهراً، لينهي هذا الخلاف البغيض، والذي أرهق العلماء ودعم الحكام. فالحاكم الظالم لا تقوم أركان حكمه دون حديد وجدال! ومقال دون أفعال، ووشاية وسوء خصال. ينتهي الجدال لصالح أهل الحق وسدنته. ويعود الإمام أحمد لداره ومجلسه! لكن وجه الرجل المجهول لا يزال يصول! حتى أنه حاول كثيراً أن يعرف من هو.. دون جدوى! ولو لم يكن قد رأى الناس تسمعه كما سمعه، وتراه كما رآه، والجند تعيق مسعاه، لقال إنه ملاك جاءه من السماء!
 
وإلى أن توفاه الله. ظل أحمد بن حنبل رحمه الله يذكر ذلك النذير البشير، وما ذكره إلا ودعا له بالخير. ولسان حاله يقول: إن كان الله تعالى لم يشأ لي معرفتك، فإنه سبحانه يعرفك، وهذا والذي أرسلك لهو الفوز العظيم. ولسان مقالي يقول: قلها ثم أمضِ، فلم يكن لإبراهيم عليه السلام أن يُسمع العالمين، ولكن الله أمره أن يؤذن في الناس.. فأذن الأذان والله أوصله الزوايا والأركان!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.