عادل عامر يكتب:حق المشاهد والدراما المصرية

0 87

أن الفن الأصيل له دور كبير في الارتقاء بمستوى الوعي الذهني والحس الوجداني للإنسان يجعله أكثر تحضراً وإحساساً بالآخر، وأقوى انتماءاً وحباً لمجتمعه وأسرته، إلى آخر هذه الصفات الحميدة التي تساهم في تقدم الأمم. ونقر في نفس الوقت، أن للدراما التليفزيونية وخاصة التي تُعرض في حلقات يومية تأثير جاذب وطاغي ومُلح على أذهان المشاهدين في مجتمعات مازال يقترب من ثلثها أمياً، ولا تقوم مؤسساتها التربوية بدورها المأمول، عندئذ يصبح ما يعرض في هذا الجهاز المنزلي المسيطر هو المثل والقدوة.

وفي خضم هذا النقاش الذي يبدو كما لو كان صراعاً بين قوى الخير والشر، يتوارى اعتبار هام تتجاهله كل الأطراف المسؤولة عن منظومة الدراما في مصر، وهذا الاعتبار يتم احترامه في مجتمعات يحلو لنا وصفها بأنها مجتمعات منحلة لا تلتزم بالقيم الشرقية الأصيلة التي نكتفي بالتشدق بها دون أن نطبقها. وهذا الاعتبار الهام هو حق المشاهد في الاختيار وتمكينه من عدم مشاهدة المحتوى الذي يتضمن مشاهد عنف مفرط أو جنس صريح أو ألفاظ نابية إذا كان هذا المحتوى يؤذي مشاعره.

من الواجب أيضا الإشارة إلى أن التعامل مع هذا الموضوع يجب ألا يؤدي إلى الإضرار بصناعة المسلسلات باعتبارها قطاعاً اقتصاديا يسهم في توليد دخل وفي خلق فرص عمل كما أن المسلسلات المصرية حققت تاريخياً ريادة مصرية تعتبر من ضمن أدوات القوة الناعمة لمصر التي يجب استمرارها. وربما يخشى بعض المنتجين أن يؤدي تطبيق هذه الاعتبارات إلى ضياع حصتهم السوقية في السوق المحلي وفي السوق العربي، وهي نقطة لها وجاهتها إن أردنا أن نضع نظاماً قابلاً للتطبيق يكون الكل فيه فائزاً، وتقديري في ضوء كثير من التعليقات التي تصدر عن الأشقاء العرب أن العكس هو الأقرب للحدوث، أي أن تطبيق هذه القواعد التي تدعم حق المشاهد في الاختيار قد تكون أكثر جذباً وتسمح للريادة المصرية في الدراما العربية بتجديد ثوب لا يخلو من بقع سوداء.

أن الاعلانات تقتل مسلسلات رمضان، وأن هذا انتهاك صارخ لحقوق الإنسان سواء المشاهد أو المبدع صاحب العمل، لأن القاعدة تقول إنه لا يجوز أن يتعدى سقف الإعلان 12 دقيقة خلال عرض المسلسلات. ان المشاهد المصري مظلوم أمام وسائل الإعلام المرئية، فنشرات الأخبار على كل القنوات الفضائية وتليفزيون الدولة أصبحت نسخاً كربونية مكررة لا جديد فيها، هى نفس الموضوعات لا تجديد ولا تعديل ما يؤدى إلى ملل المشاهد، يتنقل من قناة إلى أخرى، هو نفس الموضوع، إنه يريد التجديد، أين الوجوه الشابة المتعلمة المثقفة، مذيعات من أزمان بعيدة يظهرن فى نشرات الأخبار بفعل الأقدمية هؤلاء لهن عمل آخر وهو الإعداد والتنسيق لنشرات الأخبار،

وليس للظهور على الشاشة، حتى موسيقى النشرات قديمة ولم تجدد منذ سنوات، أين المجلس الأعلى للإعلام من ذلك؟ بالإضافة إلى الإعلانات التى أصبحت تزعجنا بمدة تصل إلى عشر دقائق فى فواصل الأعمال الدرامية، والإعلانات أصبحت عبارة عن تمثيلية صغيرة هابطة لا تليق بنا، بعد التقدم العلمى الكبير أيضاً، الضيوف الذين يتم الاستعانة بهم للتعليق على الأخبار هم لا يتغيرون، وبعضهم غير متخصصين يقولون أى حاجة للظهور، نريد ثورة إعلامية فى مصر حتى نخرج من الملل الذى نعيشه الآن،

نريد برامج متنوعة للأطفال ولكبار السن ولأصحاب الهمم، للمرضى، لكل فئات المجتمع، تحس بهم تناقش مشاكلهم، نريد مذيعين ينزلون للشارع لمعرفة رأى الجمهور فى كل مناحى الحياة، فى التعليم والصحة والموضوعات السياسية المهمة التى تخص الشعب المصرى، مثل سد النهضة وعلاقاتنا مع الدول الأخرى، نريد طفرة إعلامية تنعشنا من الملل الذى تسرب إلى نفوسنا، من النسخ الكربونية فى كل القنوات الفضائية.

أعرف أن الإعلانات هى الممول الأساسي لقنوات التليفزيون وانها التى رفعت أجور النجوم فى المسلسلات ونتيجة ذلك ارتفعت أسعار شراء القنوات للمسلسلات التى تختارها إلا أنه مهما يكن السبب فهناك حقوق للمشاهدين يجب مراعاتها.

ولابد أن هناك مدونة أو مانيفستو أو ميثاقا يعطى للقنوات حقها ويعطى أيضا للمشاهدين حقهم بحيث لا يجور طرف على الآخر. وقد لاحظت أن فقرة الإعلانات فى المسلسل الذى أتحدث عنه تضم إعلانات عدد من المنتجات والشركات لكنها تكرر إذاعة هذه الإعلانات خمس أو ست مرات فى الفقرة الواحدة وهو أمر مبالغ فيه وإلى درجة أننى كنوع من الانتقام أخذت موقفا عدائيا من المنتج المعلن عنه وبالتأكيد هناك مشاهدون يفعلون مثلى. والفن الحقيقي والطرب الأصيل، رغم بساطته، العاشق والمحب والمتزوج والأعزب والرجل والمرأة والكبير والصغير والفتى والفتاة، الكل يستمع للأصيل والجميل،

وصلنا إلى مرحلة تعبنا من أغاني «التفاهة والهيافة» والفيروسات الضارة! كم هي جميلة أغانينا القديمة، وألحاننا القديمة، وبساطتنا القديمة في الأداء، حتى رجالاتنا قديماً وشيباننا قديماً من عشاق الطرب الأصيل، كم هي جميلة أم كلثوم وهي تغني «الأطلال» وتغرد بالجملة الأشهر «اعطني حريتي أطلق يدي»،

أو قصيدتها الغنائية «هذه ليلتي» عندما تقول: «تعال أحبك الآن -وتكررها- الآن أكثر»، مؤكدة على معنى «الآن»، ودوما ما يقال في الفلسفات الروحانية القديمة إن السعي نحو الوصول لقوة «الآن» والتي تعني اللحظة الحاضرة هو الأدق للوصول إلى المنشود والمرتجى. ولعل شعراء الزمن الجميل والطرب الأصيل كانوا يحاولون كأي -إنسان عربي- أن يجدوا متنفسا من الحرية والحب يفتقدونه، وعلى الخير والمحبة نلتقي. والحوار الدائر يتكرر كل عام حتى أصبح من لوازم شهر رمضان. ولا يتم حسم هذا الحوار لأن كل طرف يتناول الأمر بشكل احادى ويتجاهل الطرف الآخر. وأحد الاعتبارات الحاكمة له علاقة بانطباع سائد بأن نسب مشاهدة العمل الدرامى ترتفع إذا تضمن مشاهد العنف والجنس والكلمات النابية. ومن خلال صناعة الإعلانات، تحسم اعتبارات المكسب والخسارة الأمر بالنسبة للمنتجين وبالنسبة لأصحاب القنوات التليفزيونية ولا تترك لهم خياراً. وترسخ فى الوجدان أن العمل الدرامى لن ينجح إذا خلا من أحد نوعى التوابل العنف والجنس، وربما يرى البعض أن النجاح يكتمل لو جمع العمل الدرامى بين السوأتين.

وفى خضم هذا النقاش الذى يبدو كما لو كان صراعاً بين قوى الخير والشر، يتوارى اعتبار هام تتجاهله كل الأطراف المسئولة عن منظومة الدراما فى مصر، وهذا الاعتبار يتم احترمه فى مجتمعات يحلو لنا وصفها بأنها مجتمعات منحلة لا تلتزم بالقيم الشرقية الأصيلة التى نكتفى بالتشدق بها دون أن نطبقها. وهذا الاعتبار الهام هو حق المشاهد فى الاختيار وتمكينه من عدم مشاهدة المحتوى الذى يتضمن مشاهد عنف مفرط أو جنس صريح أو ألفاظ نابية إذا كان هذا المحتوى يؤذى مشاعره.

من الواجب أيضا الإشارة إلى أن التعامل مع هذا الموضوع يجب ألا يؤدى إلى الإضرار بصناعة المسلسلات باعتبارها قطاعا اقتصاديا يسهم فى توليد دخل وفى خلق فرص عمل كما أن المسلسلات المصرية حققت تاريخياً ريادة مصرية تعتبر من ضمن أدوات القوة الناعمة لمصر التى يجب استمرارها. وربما يخشى بعض المنتجين أن يؤدى تطبيق هذه الاعتبارات إلى ضياع حصتهم السوقية فى السوق المحلية وفى السوق العربية، وهى نقطة لها وجاهتها إن أردنا أن نضع نظاماً قابلا للتطبيق يكون الكل فيه فائزاً، وتقديرى فى ضوء كثير من التعليقات التى تصدر عن الأشقاء العرب أن العكس هو الأقرب للحدوث أى أن تطبيق هذه القواعد التى تدعم حق المشاهد فى الاختيار قد تكون أكثر جذباً وتسمح للريادة المصرية فى الدراما العربية بتجديد ثوب لا يخلو من بقع سوداء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.